محمد محمد أبو موسى
242
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
اليه وقد وقف الزمخشري عند قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها » « 18 » ليسأل نفس السؤال ويجيب نفس الإجابة وكأن هذه قاعدة بلاغية يهتم بتوضيحها في نظم القرآن ، قال : فان قلت : الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبعث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها ؟ قلت : لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة ، ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شئ ، ومن المقدورات عقاب العصاة فالنظر فيه يؤدى إلى أن يتقى القادر عليه ويخشى عقابه ، ولأنه يدل على النعمة السابقة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها ، أو أراد بالتقوى تقوى خاصة وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم فلا يقطعون ما يجب عليهم وصله ( الكشاف ج 1 ص 355 ) . وكأن الزمخشري قد استنبط هذه القاعدة البلاغية في أسلوب الأمر من مثل قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ » « 19 » فقد جاء عقيب الأمر بالتقوى بما يدفع النفس دفعا إليها بما صوره من هول هذه اللحظات . ونظم الكلام هنا تأليفه ، وسداد النظم وجزالته مراعاة الأصول البلاغية في هذا النظم أو هذا التأليف ، والبحث هنا كشف واستنباط لهذه الأصول التي تجرى عليها أساليب البلغاء . وللنظم وجه من الحسن يدركه الزمخشري في قوة بناء الأسلوب وشدة تماسكه ، وعبارة الزمخشري فيه تقرب من عبارة عبد القاهر في فصل عقده للنمط العالي والأسلوب الأعظم « 20 » ويلمح الزمخشري في هذا الصدد أثرا بلاغيا لبعض مواقع المصادر . يقول في قوله تعالى :
--> ( 18 ) النساء : 1 ( 19 ) الحج : 1 ( 20 ) ينظر دلائل الاعجاز ص 63 ، 64