محمد محمد أبو موسى

243

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

« وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » « 21 » : « فالنظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة اضماده ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ افراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته ، والمنادى على سداده ، وانه ما كان ينبغي أن يكون الا كما قد كان ، ألا ترى إلى قوله : « صُنْعَ اللَّهِ » و « صِبْغَةَ اللَّهِ » و « وَعَدَ اللَّهُ » و « فِطْرَتَ اللَّهِ » بعد ما وسمها بإضافتها اليه بسمة التعظيم كيف تلاها بقوله : « الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » ، و « وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً » ، و « لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ » و « لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ » « 22 » . وقد أشرنا كثيرا إلى اهتمامه ببيان ما ينطوى عليه أسلوب القرآن من شدة الروابط وقوة العلاقات . ولاهتمامه بهذا الأصل البلاغي في نظم الكلام يفضل قراءة على قراءة يقول في قوله تعالى : « وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى » « 23 » : « فان قلت : ما تقول فيمن قرأ « ولو كان ذو قربى » على « كان » التامة ، كقوله تعالى : « وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ » ؟ « 24 » قلت : نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة لأن المعنى على أن المثقلة ان دعت أحدا إلى حملها لا يحمل منه شئ ، وان كان مدعوها ذا قربى ، وهذا معنى صحيح ملتئم ، ولو قلت : ولو وجد « ذو قربى » لتفكك وخرج من اتساقه والتئامه « 25 » . قال الشهاب : لا يلتئم معها النظم لأن هذه الجملة الشرطية كالتتميم والمبالغة في أن لا غياث أصلا ولو قدر المدعو ذا قربى ، ولو

--> ( 21 ) النمل : 88 ( 22 ) الكشاف ج 3 ص 304 ، 305 - والآيات من سور : النمل : 88 ، والبقرة : 138 ، والزمر : 20 ، والروم : 30 . ( 23 ) فاطر : 18 ( 24 ) البقرة : 280 ( 25 ) الكشاف ج 3 ص 479