محمد محمد أبو موسى
241
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وتجاوب النظم يعنى انسجام المعاني وتقاربها ووضوح الوشائج والصلات بينها ، وهذا سمت الأسلوب القرآني ولهذا فصل كتاب اللّه سورا ، يقول الزمخشري في بيان الأسرار التي من أجلها كان كتاب اللّه سورا : « ومنها - أي ومن هذه الفوائد - أن التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها البعض وبذلك تتلاحظ المعاني وبتجاوب النظم » « 15 » . ويذكر تجاوب النظم أيضا ويقصد به انسجام المعاني ووضوح الوشائج والصلات بينها فإذا لم يكن هذا ظاهرا في النص القرآني كشفه الزمخشري وأبان عنه . يقول في قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » « 16 » : « فان قلت : فهلا قيل « تعبدون » لأجل « اعبدوا » أو « اتقوا » لمكان « تتقون » ليتجاوب طرفا النظم ؟ قلت : ليس التقوى غير العبادة حتى يؤدى إلى تنافر النظم وانما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده فإذا قال : « اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ » للاستيلاء على أقصى غايات العبادة ، كان أبعث على العبادة وأشد الزاما لها وأثبت لها في النفوس ، ونحوه أن تقول لعبدك : احمل خريطة المكتب فما ملكتك يميني الا لجر الأثقال ، ولو قلت « لحمل خرائط المكتب » لم يقع من نفسه ذلك الموقع » « 17 » . فعدول القرآن هنا عن العبادة إلى نوع خاص منها وهو التقوى التي هي قصارى أمر العابد جعل الأسلوب أقوى والمعنى أوقع كما قال في المثال الذي ساقه ، وذلك لأن الأمر بالعبادة أمر بأداء بعض ما خلقوا من أجله لأنهم لم يخلقوا ليبلغوا في عبوديتهم للّه درجة العبادة فحسب ، وانما خلقوا ليبلغوا في العبادة غايتها وهي التقوى . ومن البلاغة وسداد النظم أن يردف الأمر بما يحث النفس حثا إلى الامتثال
--> ( 15 ) الكشاف ج 1 ص 74 ( 16 ) البقرة : 21 ( 17 ) الكشاف ج 1 ص 66