محمد محمد أبو موسى
194
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد فهم الأستاذ المرحوم عبد الهادي العدل رحمه اللّه أن عبد القاهر يريد في هذا الفصل نوعا خاصا من التمثيل وهو ما كان المشبه به فيه وصفا وأراد به الفعل والحدث سواء عبر عنه بفعل اصطلاحى أم باسم فاعل أم بمصدر أم بغيرهما ، ثم قال : « ولعل تمثيل الشيخ لهذا الضرب بقوله : كلام كالعسل في الحلاوة ، سهو أو سبق قلم وكان ينبغي أن يمثل بنحو ما ذكرناه ، وذكر عتاب فلان كالضرب في الايجاع وقولهم : فلان حياة لأوليائه موت لأعدائه ، وقولك للغافل : هو كالنائم ، وللمضطرب في مشيه أو كلامه : هو كالسكران » . وليس من الانصاف أن نفترض مرادا معينا لعبد القاهر فنقرر أنه يريد بهذا الفصل كذا ثم بعد ذلك نحكم عليه بالسهو أو سبق القلم لأن مثاله لم يطابق هذا المراد الذي افترضناه . ولعل الذي أوقع شيخنا رحمه اللّه في هذا هو ظنه أن الوصف في قول عبد القاهر : « اعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف » يراد به الصفة وان كان شيخنا افترض أيضا توسع عبد القاهر في مدلولها فجعلها تشمل الفعل والحدث سواء عبر عنه بفعل اصطلاحى أم باسم فاعل أو بمصدر ، وفاته أن الوصف هنا هو المشبه به سواء أكان وصفا بالمعنى الاصطلاحي كالقابض على الماء أو كان غير وصف كالعسل لأن المشبه به وصف معنوي للمشبه وتمثيل عبد القاهر بكلام كالعسل دليل على أنه أراد بالوصف المشبه به مطلقا وليس سهوا منه فقد ذكر في القسم الثاني - أي الوصف الذي ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه - قوله تعالى : « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً » وليس المشبه به هنا وصفا بالمعنى المذكور . أما قول عبد القاهر « وهذا حكم واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة أو للعسل من حيث هو عسل » فليس ترددا فيما انتزع منه الشبه وليس منشؤه هو السهو أو سبق القلم بذكر هذا المثال والا فان هذا التردد لو صح كان كفيلا بتنبيهه ورجوعه عن سهو ، وليس هذا أيضا كلاما غير مفهوم كما يقول العلامة رحمه اللّه « 207 »
--> ( 207 ) ينظر دراسات تفصيلية شاملة لبلاغة عبد القاهر في -