محمد محمد أبو موسى
17
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ولهذا لا نرمى الرجل بما يرميه به هذا الفقه الجديد في بلاغة الكلام . ونقول هذا ونعلم علما أن هذه البلاغة الحديثة مستبدة طاغية مثل كبرائنا ، وأن الذي يتشبث بما هو مقتنع به من علم العلماء ، ولم يطأطىء رأسه اجلالا لها لا بد أن يضرب منها أو من صبيانها بسياط التخلف والجمود والجهل إلى آخره ، حتى لتكاد تدفنه حيا ملفوفا في كتبه وملازمه الصفراء كما يفعل كبراؤنا مع رجالنا الذين يقولون لهم « لا » أو يتأخرون قليلا في القول « نعم » ، وهنا أيضا مناسبة لطيفة لأن الثقافة الغالبة في عهد الطواغيت لا بد أن تكون فيها نفثة من نفثات الطاغوت . ودع هذا وعد إلى أبي بصير ، ولأزيدك احساسا بغرابته وغموضه تأمل البيت الذي يليه : كأنّ مشيتها من بيت جارتها * مرّ السّحابة ، لا ريث ولا عجل المراد أيضا وصف لين مشيتها وبطئها ، ثم انظر كيف ارتقى بها إلى السماء وجعلها سحابة تمر مرا لا ريث فيه ولا عجل ، وأي شئ أشبه بالمرأة من السحابة التي فيها الوفر ، والسخاوة ، والري والانبات ، والخصب ، مع أن أول البيت أنها خرجت من بيت جارتها ، وهذا بخلاف أول البيت الذي قبله « غراء فرعاء مصقول عوارضها » وكل هذا يلح على أن « الوجى الوحل » فيه رمز إلى شئ مهم ، لأنه ترك هريرة ونافرها منافرة ظاهرة والكلام قبله متآلف معها تآلفا ظاهرا والكلام بعده كذلك . وهذا العنصر اللغوي الشارد متناسب تناسبا ظاهرا مع صورة ذكرت بعد ثلاثة وأربعين بيتا كانت مزيجا غنائيا رائعا ، ترى فيه الصبوة المتوهجة تطل منها أحيانا الصورة العارية ذات الشهوة ، والتي تصف ذروة الاقتدار والتمكن ، وكأنها رمز إلى قمة التحدي والمواجهة وفرس عنق الخصم ، ولهذا نرى صور العراء المفحش في قصائد الهجاء وكأنها مظهر التوقح والطعن والقهر والسحق ، ومقدمة رامزة إلى فحش القول .