محمد محمد أبو موسى
161
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ومن ذلك قول جميل : وهل بثينة يا للنّاس قاضيتى * ديني وفاعلة خيرا فأجزيها ترنوا بعينىّ مهاة اقصدت بهما * قلبي عشيّة ترمينى وأرميها هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة * ريّا العظام بلين العيش غاديها وهذا كله بيان لطريقة القوم في الحذف وأنهم اعتادوه في أساليب معينة ، ثم تراه يقودك إلى الأفق البلاغي في الحذف ويكشف الحجب حتى يطلعك على سره متجاوزا هذا المجال النحوي بطريقته الفذة التي تستخرج من نفسك الحكم ولا تعول فيه الا على حسك . يقول بعد ذكر الأمثلة التي أشرنا إليها وكثير مثلها : « فتأمل الآن هذه الأبيات كلها ، واستقرها واحدا واحدا ، وانظر إلى موقعها في نفسك ، وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها ، ثم قلبت النفس عما تجد ، وألطفت النظر فيما تحس به ، ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر ، وأن تخرجه إلى لفظك ، وتوقعه في سمعك ، فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت ، وأن رب حذف هو قلادة الجيد ، وقاعدة التجويد » « 119 » . وبهذه الطريقة التي تكشف بلاغة الحذف بالموازنة بين الحذف والذكر في المقامات المقتضية للحذف أخذ عبد القاهر يرشد إلى بلاغته ويبين قيمته وهو كما قلت : لا يقول لنا فيه كلاما صريحا وانما يرشدنا إلى أن نعود إلى أنفسنا وأن نوازن بين صورتين لندرك البلاغة بحسنا ، ونقع على الحسن بأذواقنا . ومن جيد ذلك قوله : « وان أردت ما هو أصدق في ذلك شهادة وأدل دلالة فانظر إلى قول عبد اللّه بن الزبير يذكر غريما له قد ألح عليه :
--> ( 119 ) ينظر الاعجاز : ص 96 - 99 .