محمد محمد أبو موسى
159
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
والمواطن التي يكثر فيها الحذف فيذكر حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه ويمثل له بقوله تعالى : « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » ، وقوله تعالى « وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ » ، ويشير إلى ايقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما وذلك كقوله سبحانه : « يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ . بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ » « 112 » ، ثم قال : « وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ » « 113 » : « والفاكهة واللحم والحور العين ، لا يطاف بها وانما أراد : ويؤتون بلحم طير » ويشير إلى حذف الجواب للاختصار وعلم المخاطب ويمثل له بقوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ، بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً » « 114 » أراد : لكان هذا القرآن ، فحذف . . ويذكر حذف الكلمة والكلمتين ويمثل له بقوله تعالى : « فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ » « 115 » والمعنى فيقال لهم أكفرتم ، وقوله تعالى : « وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا » « 116 » ، والمعنى : يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا « 117 » ثم ذكر حذف جواب القسم وحذف « لا » والاضمار لغير المذكور وحذف الصفات ثم ذكر آيات من الكتاب العزيز بين فيها المحذوف . والملاحظ أن أكثر الأمثلة التي تذكر في باب الحذف تتكرر في الكتب المختلفة والتأثر فيها واضح . فإذا ما نظرنا إلى صنيع عبد القاهر في هذا الباب وجدنا أنه نفث فيه الروح البلاغية . يقول مشيرا إلى قيمته : هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن « 118 » . وهذا
--> ( 112 ) الواقعة : 17 ، 18 ( 113 ) الواقعة : 20 - 22 ( 114 ) الرعد : 31 ( 115 ) آل عمران : 106 ( 116 ) السجدة : 12 ( 117 ) ينظر تأويل مشكل القرآن ص 169 وما بعدها ( 118 ) دلائل الاعتماد ص 95