محمد محمد أبو موسى

14

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة التي تقتضى البلاغة شفاء الغليل ، بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها ، فهذا هو الأمر الكلى المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، فإذا عقلته تبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة » . والنظر هنا ينغل في جهات أربع : الأولى : نظر في الغرض واستكشافه وتحديده ، وليس هذا بالأمر الهين لأنه لا يظهر الا بفحص الكلام كلمة كلمة ، وتركيبا تركيبا ، وصورة صورة . وأن يكون نظره في ذلك نظر اليقظ الدراك الذي تهديه موهبته إلى إصابة المغزى وادراك المقصود . والجهة الثانية : النظر في المقدمات . يعنى معرفة منازل المعاني ومراتبها في ضوء المعرفة الواضحة للغرض الذي انعقد عليه الكلام . وبهذا نوضح المعنى الذي هو بمثابة الأصل ، والمعنى الذي هو مهاد ووطاء ، وهذا باب من النظر يحتاج إلى مراجعة وأناة ، وأذكر لك قياسه في المعاني الجزئية ، تقول : أقبل زيد ضاحكا . إذا كان رأس المعنى هو الاخبار باقباله ، وكان الضحك تابعا لهذا الأصل ، فإذا كان رأس المعنى هو الاخبار بضحكه قلت : ضحك زيد مقبلا ، وهكذا ترى في الجملتين خبرين لا خبرا واحدا ولكن أحدهما رأس المعنى والثاني فرع له وتابع . وتأمل كلام عبد القاهر في قول البحتري : ولم أمدح لأرضيه بشعرى * لئيما أن يكون أصاب مالا ولما ذا أعمل الفعل الأول « أمدح » في الاسم الظاهر ، وأعمل الفعل الثاني « أرضى » في ضميره ، وعبد القاهر يقول : لأن الفعل الأول هو الذي انعقد عليه المعنى إذ المقصود نفى أن يمدح اللئيم وقوله « لأرضيه » جاء تابعا للفعل الأول وملحقا به ، وهكذا يقدم لنا البلاغيون نموذجا دقيقا للبحث في المعاني التي قصد قصدها والمعاني التي جاءت تابعة للمعنى الأول أو مقدمة له ، وعلى هذا يقاس النظر إلى المقاصد الكلية ومقدماتها .