محمد محمد أبو موسى
15
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
والجهة الثالثة : أن تنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب . والبعد من المقصود ، يعنى العلاقة بين المقدمة والمطلوب . ولا بد أن تكون المقدمات موشاة بتوشية تشير إلى المطلوب ، وهذا في الشعر يفيد أن الحديث عن الطلل والرحلة والصاحبة في قصيدة المديح غير الحديث عن الطلل والرحلة في قصيدة الهجاء ، ثم إن مدائح الملوك غير مدائح قواد الجيوش ، ومدائح الكتاب والعلماء غير مدائح غيرهم ، وهكذا . . وهذا يعنى أن الغرض في تحديده الدقيق لا يكفى أن يقال فيه هو مديح أو هجاء ، وانما يتحدد المديح بصورة أدق ، لأن لكل باب من أبواب المديح مداخله التي هي أشبه به ، ولهذا تجد ذكر الصاحبة والرحلة والناقة في قصائد الأعشى التي يمدح بها قيس بن معد يكرب غير الصاحبة والرحلة والناقة في قصائده التي يمدح بها هوذة بن علي ، وهكذا . والجهة الرابعة : هي النظر في حركة الكلام وكيف تثير في مسيرتها هواجس وأحوالا ، وأشجانا ، ترى الكلام يقف عندها ويتغلغل حتى يشبع أحوال الاستشراف هذه ، وذلك وفاء لحق البلاغة كما قالوا ، وهو جيد لأنه استكشاف حالة المجاذبة بين اللغة والنفس ، وهي انما تكون في البنية الداخلية للغة حيث نرى البيان هناك يناغى النفس مناغاة الأم وليدها حين تستثير أشواق الطفل نحو شئ ثم تشبعها ، ثم تستثيرها ثم تشبعها ، وهكذا يتولد الحب وتكون الألفة بين السامع واللغة التي أثارت أشواقا وأشبعت رغائب ، كل هذا وهي في طريقها نحو المقصود ثم هو مشروط بألا يخرج الكلام عن المقصود . هذا نص من نصوص كثيرة جاءت في علم المناسبة ، وفيه ما ترى . وقد قلنا : اننا لا نطبق كل ما يقال في علوم القرآن تطبيقا حرفيا في دراسة الشعر ، وانما نستلهم ونستضىء ونستخرج . وهذا النص الذي شرحته فيه إشارة جيدة هي دراسة العلاقة بين مداخل المقاصد ، والمقاصد نفسها ، يعنى مقدمات القصائد وموضوعات