محمد محمد أبو موسى
124
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
والذين كتبوا في تاريخ البلاغة قد خلطوا بين أنواع ثلاثة من التاريخ كان ينبغي الفصل بينها ، هي تاريخ الفنون ، وتاريخ المؤلفات ، وتاريخ الرجال ، وقد أشار إلى منهج الكتابة التاريخية في البلاغة المرحوم الأستاذ أمين الخولي ، وبين ضرورة الفصل بين هذه الطرق . ثم إن أكثر هذه الكتب التي عنيت بتاريخ البلاغة لم تعد أن تكون فهارس مبسوطة لما أثير في كتب البلاغيين من المسائل والقضايا . وأول هذه الأصول التي نشير إليها مسألة النظم التي عقدنا لها فصلا في بحث بلاغة الكشاف . وفكرة النظم معروفة في محيط المشتغلين بمسألة الاعجاز إذ أنها وليدة الدراسة في هذا الباب ، ولم أعرف كتابا من كتب البلاغة التي تناولت شؤون الأدب والشعر قد ذكرت هذه الفكرة ، أو أضافت إليها شيئا ، وان كانوا قد أشاروا إلى مباحث تتفرع عنها مما سوف نشير اليه . ومثل النظم في هذا قليل من البحوث البلاغية التي كانت وليدة النظر في كتاب اللّه مثل التكرار والفواصل والاستدراج وغير ذلك مما نبه البلاغيون إلى أنهم استنبطوه من كتاب اللّه . نعم قد كان الشعر من شواهد هذه الأصول ، وكان الشعر أيضا مجالا لتطبيقها ، وكانت مقياسا من مقاييس جودته ، ولكن المهم أن الذي دفع إلى الخوض فيها لم يكن هو الشعر ولم يكن هو النثر وانما كان القرآن . وقد عرف الجرجاني النظم بقوله : « واعلم أن ليس النظم الا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو ، وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها ، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها ، وذلك انا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم في نظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه ، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك : زيد منطلق ، وزيد ينطلق ، ومنطلق زيد ، وزيد المنطلق ، والمنطلق زيد ، وزيد هو المنطلق ، وزيد هو منطلق ، وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي نراها في قولك : ان تخرج أخرج ، وان خرجت خرجت ، وان تخرج فأنا خارج ، وأنا خارج ان خرجت ،