ابن قيم الجوزية
8
البدائع في علوم القرآن
صريح الدين ، بما نسميه الآن : بالحرب الفكرية ، ويتحججون بقوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) [ الممتحنة : 8 ] . فاللّه تعالى جعل من كمال دينه الإحسان إلى الخلق كلهم حتى الدواب ، وهنا يبيّن لنا رفع الحرج عنا إن نحن عاملنا من لم يقاتلنا أو يساعد على قتالنا أو إخراجنا من ديارنا أن نعامله بالحسنى والعدل ، أما الذين يجتمعون لقتالنا ماديا ومعنويا لا برّ لهم ولا قسط معهم . ويرى كل الخلق كيف يتعامل المسلم مع أهل الكتاب في بلاد الإسلام خصوصا الشرقية منها ، حيث ترى الإحسان والفضل وحسن الجوار ، بخلاف هؤلاء الذين لا يأمن المسلم على نفسه أو ماله وسطهم وهي دول تدعي الديموقراطية وحرية الرأي . أقول : نحن لا نحزن كثيرا إن جاء الضرر من هؤلاء الأعداء الخلص ، إنما نحزن حين يأتي من أبناء جلدتنا ، ممّن يتحدثون بألسنتنا وقلوبهم مع عدونا . وهذا الفريق أخطر على الإسلام من الكافر الصريح لأن هؤلاء المنافقون يحاربون الشريعة تارة بحجة تشددها ، ويحاربون العقيدة بحجة تميزها وتفريقها بين الخلق ، ويحاربون السلوك والأخلاق بحجة عدم تعسير الحياة على الناس ، فالفضيلة عائق أمام الحرية والإبداع والانطلاق إلى العالمية ورضى أسيادهم علينا ، ولا يهم بعد ذلك عندهم رضى اللّه تعالى ! ! لأنهم في البدء لا يعرفون اللّه تعالى ولا يقدرونه حق قدره ، فأسقطوا هذا الجهل على الدين فأصبحوا يتكلمون فيه بلا علم ، إنما بأفكار لها في الغرب والشرق ، وثمارها لأمة الإسلام حنظلا ، حتى لا تقف على أرض العقيدة ، ولا تستظل بظل الشريعة ولا تتحرك بنور الفضيلة . فلا يبقى حصن أمامهم إلّا وقد هدموه فينشأ ناشئ الفتيان منا مسخ ، لا هو مسلم مستقيم ولا هو إنسان عاقل ، فلا ينتفع به في دين ولا دنيا ولا يعرف منفعته من مضرته ، بل لا يبقى له من الإسلام إلّا الاسم ولا من العقل إلّا القشر ! ! وأعداء اللّه تعالى الآن لا يعرضون ولا يلمحون في حربهم الشريعة والعقيدة ، بل حرب صريحة مكشوفة . فهم يكيلون للحدود الإسلامية شتى ألوان الصفات التي إذا قرأها القارئ اقشعر بدنه وظنّ في هذه الأمة من صفات الهمجية الكثير ، فهي تقطع الرقاب ، والأيدي ، وترجم بالحجارة العشاق وأهل الحب أو تجلدهم ، وتقطع رقاب المفكر الذي يدعو إلى ترك الإسلام والردة ، لأن الاعتقاد أمر شخصي لا دخل لأحد فيه !