ابن قيم الجوزية

61

البدائع في علوم القرآن

فصل مكتبة ابن القيم 1 - إن الكتاب والشيخ بالنسبة للعالم وطالب العلم هما الماء والهواء ، لا غنى عنهما ، فهو منهوم لا يشبع ، فالكتاب كروحه ، إن فارقه كان كالميت ، فهو رفيقه وأنيسه ومعلمه ، فلطالب العلم جناحان : المشايخ والكتب فبهما يحلّق في سماء العلم والمعرفة ، ويسبح في بحورهما ويغوص في أعماقهما . والكتاب والمكتبة لهما تاريخ كبير عند المسلمين فلا تجد أمة من الأمم صنفت فيها ما صنفه علماء المسلمين في شتى فروع العلم ، المتعلق بالشريعة أو حتى التطبيقي ( الطب ، هندسة ، فلك . . . ) إلخ . ولا تخلو ترجمة عالم من ذكر مكتبته غالبا « 1 » . نعم ، الكتاب وحده لا يصنع عالما فاهما مجربا إنما وحده يصنع صحافيا ، وهذا ذمه العلماء . فلا بد من التلقي عن المشايخ ، هذا حتمي ، ولكن التلقي دون المذاكرة والمراجعة والبحث والتنقيب في الكتب سرعان ما ينضب منبعه ، ويجف عطاؤه ، ويذبل زرعه ، فالكتاب وقود العقل ، ونور القلب ، وموقظ الفكر . فهو البداية والنهاية والعبرة والتجربة والتاريخ . . . 2 - قال الإمام الكبير ابن عبد البر - رحمه اللّه تعالى - : وسئل أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري عن دواء للحفظ فقال : « إدمان النظر في الكتب » . ( جامع بيان العلم وفضله : 583 ) . وأنشد أبو عبد اللّه بن الأعرابي « صاحب الغريب » حين عاتبه أبو أيوب أحمد بن محمد أبي شجاع عن تأخره من زيارته وادعائه أن عنده جلساء من الأعراب ، وليس بين يديه شيء إلّا الكتب يطالعها ، فقال ابن الأعرابي :

--> ( 1 ) وانظر بحثا مفيدا في الكتب والمكتبات عند المسلمين في كتاب « تاريخ الكتاب » تأليف د / ألكسندر ستيبتشفيتش . ( 1 / 233 - 250 ) ، مترجم - سلسلة عالم المعرفة - الكويت .