ابن قيم الجوزية
34
البدائع في علوم القرآن
فصل في منهج ابن القيم في التفسير وإليك أولا هذه الدرة من كلام ابن القيم حتى نبني هذا الفصل على قاعدة من كلامه : في بيان معنى تيسير القرآن للذكر وبيان معنى التفسير أنزل اللّه سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ، ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني ، وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها ، وأعظمها مطابقة لمعانيها المرادة منها كما وصف سبحانه به كتابه في قوله : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [ الفرقان : 33 ] . فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب ، والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه . والتفسير أصله في الظهور والبيان ، وباقيه في الاشتقاق الأكبر : الإسفار ، ؛ ومنه أسفر الفجر إذا أضاء ووضح ، ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت وظهوره ، ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم وبيانه . فلا بد من أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له ، وكلما كان فهم المعنى منه أوضح وأبين كان التفسير أكمل وأحسن . ولهذا لا تجد كلاما أحسن تفسيرا ولا أتم بيانا من كلام اللّه سبحانه ، ولهذا سمّاه سبحانه بيانا وأخبر أنه يسره للذكر ؛ وتيسيره للذكر يتضمن أنواعا من التيسير : إحداها : تيسير ألفاظه للحفظ . الثاني : تيسير معانيه للفهم . الثالث : تيسير أوامره ونواهيه للامتثال . ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرا له ؛ بل كان معسرا عليه . فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني ، أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير ، وهو مناف للتيسير « 1 » . 1 - لمعرفة منهج المفسر أهمية عظيمة « 2 » ، شغلت كثيرا من أهل العلم ، فهذا يكتب عن
--> ( 1 ) إعلام الموقعين ( 1 / 332 ) . ( 2 ) أردت ختم هذا الفصل من مقدمة كتابي « بدائع التفسير » حتى تصحيح مقدمة « بدائع علوم القرآن » كالمقدمة الواحدة للعملين في طبعة التفسير الجديدة .