ابن قيم الجوزية

35

البدائع في علوم القرآن

منهج الطبري ، وذاك عن القرطبي . . . إلخ ، وقد اتسع المقام في هذا الباب وهو أمر جيد خاصة وهو يعتبر مفتاح لأي تفسير . ومن فوائد هذه المناهج وهي كثيرة : معرفة مدرسة المؤلف الفقهية ومدى تحرره في فهم النص وتقيده بالمذهب إن كان من أصحابه . ثم معرفة الجانب العقدي عنده ، وإن كان من أهل السنة أم من غيرهم ولما ذا ؟ ومعرفة أيضا مدى تأثر المؤلف بغيره من أهل العلم وإضافاته عليهم وتعقيباته مما قد يكون للقارئ رأيا راجحا في مسألة ما وبيان مرجوح في أخرى . إلى غير ذلك من الفوائد الجمة المسطورة في غير هذه العجالة اليسيرة إنما توسع في بيانها بتفصيل كثير من العلماء كفضيلة العلامة الدكتور / محمد حسين الذهبي رحمه اللّه تعالى في كتابه العظيم « التفسير والمفسرون » ، ومن المعاصرين البارع الدكتور / فهد الرومي في كتابه الشيق الفائق القيمة « اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر » وغيرهم من أهل العلم . 2 - ويتوقف ذلك - معرفة المنهج - من الوقوف على تفسير ما ، ثم النظر في مقدمة صاحبه ، فهي غالبا تكون بالإضافة لكونها مفتاح الكتاب بلورة لمنهج المؤلف وإبرازا لأهم عناصره ، خصوصا لو اشترط المفسر ذلك . وهذه المقدمات توفر كثيرا من العناء في هذا الشأن كمقدمة ابن جرير الطبري ، أو القرطبي أو ابن كثير ومقدمة العلامة الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير . فهذه المقدمات عظيمة الفائدة طريق سهل غالبا في الوقوف على منهج المفسر ، بالإضافة إلى دراسة تفسيره ، واستخراج الباحث من بطون سطوره وخبايا حروفه كثيرا مما لم يذكره المؤلف في مقدمة تفسيره ، وهو مكمل لمعرفة منهجه ، بل قد لا تكون مبالغة إذا قلنا إن المقدمة لا تفي أبدا لمعرفة المنهج ، بل لا بد من الولوج والغوص في بحر المؤلف لاستخراج الدرر الكامنة ، فالباب لا يفي لمعرفة المنزل إنما هو للدخول والاستدلال على العنوان . 3 - لكن الأمر يختلف مع عالمنا الكبير ابن القيم ، فهو أولا لم يضع تفسيرا مستقلا كما بينت من قبل ، فضلا أنه لم يضع مقدمة للتفسير كما صنع شيخ الإسلام ابن تيمية رضي اللّه عنه ، يستطيع بها الباحث معرفة نقاط أساسية في بيان منهجه . مثل ما كتبه رحمه اللّه تعالى في ( بيان أحسن طرق التفسير ) ( 1 / 110 ) من دقائق التفسير فهي أسس هامة للمنهج الصائب الموفق ،