ابن قيم الجوزية
29
البدائع في علوم القرآن
ويستوهم بعضنا إن ظن أن كثيرا من القضايا التي هزمها السلف قد اندثرت ، بل كثير منها يطل بين الفينة والفينة . فنرى من يدعو إلى كون القرآن نصا لغويا يحتمل كل الإسقاطات التي يتحملها أي نص من وضع بشري . ويسمى ذلك « بالوعي العلمي » متهما كل السابقين بأنهم أصحاب الفكر الرجعي ، باستنادهم إلى التراث ، لأن نشر مثل هذا الوعي العلمي - في زعمه - يسحب البساط من تحت أقدام هذه القوة المنتفعة بالوضع الاجتماعي المتردي . ويجعل من تهذيب العلوم الإسلامية للناشئة ضربا من ضروب الارتزاق على أكتاف ناشئة جهلاء ، وسيلا من سبل الشهرة . ثم يضع لنا أسسا لصلاحية الأعمال المتقرب بها إلى اللّه تعالى حيث يكون أولها الموضوعية التي يعرفها المتخصصون . . . . هكذا « 1 » ! ! . وهذه كما ترى « عينة » مما تفيض به أقلام هؤلاء المغرورين ، ولعله لم يصب من يريد عزل الدرس الديني عن الواقع الإسلامي ، وتجريد الفكر المحرك للدعوة من هذه القضايا ، وبالتالي تفرغ الدعوة كلها من الدافع فتهون عليها النتائج . بل استخدام هذه العلوم الشرعية خير وسيلة - واللّه أعلم - يرد على كل صاحب هوى يقدح تارة في الفقه ، وأخرى في أصوله ، وثالثة في التفسير ، ورابعة في اللغة والنحو والصرف ، وهلم جرا . وما وضع علماء سلفنا هذه العلوم إلّا للدفاع عن الدين ، ولا معنى لقولهم « غربلوهم بالعلم » في مواجهة المبدعة ، إلّا باستخدام هذه العلوم حيث التسلح بالفهم الصحيح بالدليل الصحيح حتى يدحض اللّه تعالى الباطل ، وسنرى مثالا لذلك . فصل سوف يرى القارئ علاج ابن القيم لكثير من الشبهات بالاستناد على علوم القرآن الكريم . حيث ناقش - رحمه اللّه تعالى - :
--> ( 1 ) وهذه من مدرسة قديمة دائما ما ترى خلف أسوارها أعناق المستشرقين الذين يخرجون تلاميذ نجباء في ضلالهم ، أغبياء في درسهم ، وينسون أنهم دائما صدى صوت . وهناك قائمة طويلة بأسماء هؤلاء سنخرجها قريبا ، تصريحا لا تلميحا .