ابن قيم الجوزية

214

البدائع في علوم القرآن

ودخل في قوله : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [ المائدة : 45 ] وجوبه في كل جرح يمكن القصاص منه ، وليس هذا تخصيصا ، بل هو مفهوم من قوله : قِصاصٌ ، وهو المماثلة . ودخل في قوله : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ [ البقرة : 233 ] وجوب نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته ، على كل وارث قريب أو بعيد . ودخل في قوله : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 228 ] جميع الحقوق التي للمرأة ، وعليها ، وأن مرد ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ، ويجعلونه معروفا لا منكرا ، والقرآن والسنة كفيلان بهذا أتم كفالة « 1 » « 2 » . بيان فساد إضافة الشر إلى اللّه تعالى قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : « لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك » « 3 » معناه أجل وأعظم من قول من قال : والشر لا يتقرب به إليك ، وقول من قال : والشر لا يصعد إليك ، وأن هذا الذي قالوه وإن تضمن تنزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه ، فلا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر ، بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق ، فإنه يتضمن تنزيهه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بوجه ما لا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه ، وإن دخل في مخلوقاته كقوله : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) [ الفلق ] ، وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه ومن قام به ، كقوله : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة ] ، وقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [ التوبة ] ، وقوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا [ النساء : 160 ] وقوله : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ [ الأنعام : 146 ] وقوله : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( 76 ) [ الزخرف ] وهو في القرآن أكثر من أن يذكر هاهنا عشر معشاره ، وإنما المقصود التمثيل ، وتارة يحذف فاعله ، كقوله تعالى حكاية عن مؤمن الجن : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ( 10 ) [ الجن ] فحذفوا فاعل الشر ومريده ، وصرحوا بمريد الرشد . ونظيره في الفاتحة : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

--> ( 1 ) وهذا كله يدخل تحت قوله تبارك وتعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] وقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] وقوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] . ( 2 ) إعلام الموقعين ( 1 / 412 ، 413 ) . ( 3 ) بدائع الفوائد ( 2 / 215 ، 214 ) .