ابن قيم الجوزية

215

البدائع في علوم القرآن

[ الفاتحة : 7 ] ، فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه ، والضلال منسوبا إلى من قام به ، والغضب محذوفا فاعله . ومثله قول الخضر في السفينة : فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [ الكهف : 79 ] وفي الغلامين : فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ الكهف : 82 ] مثل قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ [ الحجرات : 7 ] ، فنسب هذا التزيين المحبوب إليه ، وقال : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ [ آل عمران : 14 ] ، فحذف الفاعل المزين . ومثله قول الخليل : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) [ الشعراء ] فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال ، ونسب إلى نفسه النقص منها وهو المرض والخطيئة . وهذا كثير في القرآن ، ذكرنا منه أمثلة كثيرة في كتاب « الفوائد الملكية » ، وبينا هناك السر في مجيء الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ و الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، والفرق بين الموضعين وأنه حديث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعا في سياق المدح ، وحيث حذفه كان من أوتيه واقعا في سياق الذم أو منقسما ، وذلك من أسرار القرآن . ومثله : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [ فاطر : 32 ] وقال : وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [ الشورى : 14 ] ، وقوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى [ الأعراف : 169 ] وبالجملة فالذي يضاف إلى اللّه تعالى كله خير وحكمة ومصلحة وعدل والشر ليس إليه « 1 » . التدرج في التكليف تأمل الحكمة في التشديد في أول التكليف ، ثم التيسير في آخره بعد توطين النفس على العزم والامتثال ، فيحصل للعبد الأمران : الأجر على عزمه وتوطين نفسه على الامتثال والتيسير والسهولة بما خفف اللّه عنه . فمن ذلك أمر اللّه تعالى ورسوله بخمسين صلاة ليلة الإسراء ثم خففها وتصدق بجعلها خمسا « 2 » . ومن ذلك : أنه أمر أولا بصبر الواحد إلى العشرة ، ثم خفف عنهم ذلك إلى الاثنين « 3 » .

--> ( 1 ) بدائع الفوائد ( 2 / 215 ، 214 ) . ( 2 ) سبق تخريجه ص ( 118 ) . ( 3 ) في سورة الأنفال ( 65 - 66 ) .