ابن قيم الجوزية

213

البدائع في علوم القرآن

القرآن الكريم محكم جامع سمى النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية جامعة فاذة : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة ] ومن هذا قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) [ المائدة ] ، فدخل في الخمر كل مسكر ، جامدا كان أو مائعا ، من العنب أو من غيره ، ودخل في الميسر كل أكل مال بالباطل ، وكل عمل محرم يوقع العداوة والبغضاء ، ويصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة . ودخل في قوله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 2 ) [ التحريم : 2 ] كل يمين منعقدة . ودخل في قوله : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [ المائدة : 4 ] كل طيب « 1 » من المطاعم والمشارب والملابس والفروج . ودخل في قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] ، ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها ، حتى اللطمة والضربة والكسعة « 2 » كما فهم الصحابة . ودخل في قوله : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) [ الأعراف ] تحريم كل فاحشة ، ظاهرة وباطنة ، وكل ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عرض ، وكل شرك باللّه ، وإن دق في قول أو عمل أو إرادة ، بأن يجعل للّه عدلا بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد ، وكل قول على اللّه لم يأت به نص عنه ، ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل ، أو إيجاب أو إسقاط ، أو خبر عنه باسم أو صفة ، نفيا أو إثباتا أو خبرا عن فعله ، فالقول عليه بلا علم حرام في أفعاله وصفاته ودينه .

--> ( 1 ) والطيب هو ما أحله الشرع والخبيث ما حرمه . ( 2 ) الكسعة : الحمير والكسع : الضرب باليد أو الرجل إنسانا أو غيره .