ابن قيم الجوزية
212
البدائع في علوم القرآن
أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا . فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من اللّه تعالى ، وإلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك . وثالثهما : النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله ، الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفراد إعجازه . وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه ، وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغه خبره ولو لم يفهمه ولم يتأمله . فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور من المتكلمين ، وتقصيرهم في بيان إعجازه ، وأنهم لن يوفوه معشار حقه ، حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف « 1 » الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها ، وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته ، وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام ، وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب ، إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي « 2 » ، وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كله ، فإذا ثبتت النبوة بهذه الحجة القاطعة فقد وجب على الناس تصديق الرسول في خبره وطاعة أمره ، وقد أخبر عن اللّه تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن المعاد والجنة والنار فثبتت صحة ذلك يقينا « 3 » .
--> ( 1 ) انظر المقدمة في هذه المسألة . ( 2 ) لكن هذه الأنواع من أنواع الإعجاز حق وما ذهب إليه ابن القيم من إن إعجاز القرآن فوق كل هذا حق أيضا ، وفوق كل ذي علم عليم . ( 3 ) بدائع الفوائد ( 4 / 134 - 136 ) .