ابن قيم الجوزية
211
البدائع في علوم القرآن
من أساليب القرآن الكريم التحدي قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) [ البقرة ] : إن حصل لكم ريب في القرآن وصدق من جاء به وقلتم : إنه مفتعل ، فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهه . وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم ، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك . حتى إن الذي راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه ، فإنهم أتوا بشيء يستحيي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته . فهو كمن أظهر طيبا لم يشم أحد مثل ريحه قط ، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله ، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم ، وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة ، وقالوا : قد جئنا بمثل ما جئت به ، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة ؟ وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 23 ] كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته : اجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ، ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به ، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه ، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله . والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق ؛ أمّيّهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ، ويقول : لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدا فيعدلون معه إلى الحرب بقتل المحاربة الأحباب ، فلو قدروا على الإتيان بصورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار أيتام الأولاد ، وقتل النفوس ، والإقرار بالعجز عن معارضته . وتقرير النبوة بهذه الآية وجوه متعددة ، هذا أحدها . وثانيا : إقدامه صلى اللّه عليه وسلم على هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالا عاما إلى يوم القيامة