ابن قيم الجوزية

208

البدائع في علوم القرآن

يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [ الشورى : 24 ] هاهنا انتهى جواب الشرط . ثم أخبر خبرا جازما غير معلق : أنه وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [ الشورى : 24 ] ، وقال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 91 ] ، فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره ، ولا عرفه كما ينبغي ، ولا عظمه كما يستحق ، فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه ويؤيده ؟ ويظهر على يديه الآيات والأدلة ؟ وهذا في القرآن كثير جدا ، يستدل بكماله المقدس ، وأوصافه وجلاله على صدق رسله ، وعلى وعده ووعيده . ويدعو عباده إلى ذلك ، كما يستدل بأسمائه وصفاته على وحدانيته ، وعلى بطلان الشرك ، كما في قوله : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) [ الحشر ] وأضعاف أضعاف ذلك في القرآن . الاستدلال بأسماء اللّه وصفاته على بطلان وصفه تعالى بما لا يليق - ويستدل - سبحانه - بأسمائه وصفاته على بطلان ما نسب إليه من الأحكام والشرائع الباطلة ، وأن كماله المقدس يمنع من شرعها ، كقوله : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) [ الأعراف ] ، وقوله عقيب ما نهى عنه وحرمه من الشرك والظلم والفواحش والقول عليه بلا علم : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) [ الإسراء ] ، فأعلمك أن ما كان سيئة في نفسه فهو يكرهه ، وكماله يأبى أن يجعله شرعا له ودينا . فهو - سبحانه - يدل عباده بأسمائه وصفاته على ما يفعله ويأمر به ، وما يحبه ويبغضه ، ويثيب عليه ويعاقب عليه . ولكن هذه الطريق لا يصل إليها إلا خاصة الخاصة . فلذلك كانت طريقة الجمهور الدلالات بالآيات المشاهدة ، فإنها أوسع تناولا . واللّه - سبحانه - يفضل بعض خلقه على بعض ، ويرفع درجات من يشاء ، وهو العليم الحكيم . فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره ، فإنه هو الدعوة والحجة ، وهو الدليل والمدلول عليه ، وهو الشاهد والمشهود ، وهو الحكم والدليل ، وهو الدعوى والبينة ، قال تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [ هود : 17 ] أي من ربه ، وهو القرآن .