ابن قيم الجوزية
209
البدائع في علوم القرآن
وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسله أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 52 ) [ العنكبوت ] فأخبر - سبحانه - أن الكتاب الذي أنزله على رسوله يكفي عن كل آية ؛ ففيه الحجة والدلالة على أنه من اللّه ، وأن اللّه - سبحانه - أرسل به رسله ، وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة ، وينجيه من العذاب . ثم قال : ( قل كفى باللّه بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض ) فإذا كان اللّه - سبحانه - عالما بجميع الأشياء ، كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها ، فإنها شهادة بعلم تام ، محيط بالمشهود به . فيكون الشاهد به أعدل الشهداء وأصدقهم ، وهو - سبحانه - يذكر علمه عند شهادته ، وقدرته وملكه عند مجازاته ، وحكمته عند خلقه وأمره ، ورحمته عند ذكر إرسال رسوله ، وحمله عند ذكر ذنوب عباده ومعاصيهم ، وسمعه عند ذكر دعائهم ومسألته ، وعزته وعلمه عند قضائه وقدره . فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابة ، وارتباطها بالخلق والأمر ، والثواب والعقاب . الاستدلال على صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن هذا قوله تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 ) [ الرعد ] ، فاستشهد على رسالته بشهادة اللّه له . ولا بد أن تعلم هذه الشهادة ، وتقوم بها الحجة على المكذبين له ، وكذلك قوله : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [ الأنعام : 19 ] ، وكذلك قوله : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) [ النساء ] ، وكذلك قوله يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) [ يس ] ، وقوله : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 ) [ البقرة ] ، وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [ المنافقون : 1 ] ، وقوله : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [ الفتح : 29 ] ، فهذا كله شهادة منه لرسوله ، قد أظهرها وبينها ، وبين صحتها غاية البيان ، بحيث قطع العذر بينه وبين عباده ، وأقام الحجة عليهم . فكونه - سبحانه - شاهدا لرسوله ، معلوم بسائر أنواع الأدلة ؛ عقليها ونقليها وفطريها وضروريها ونظريها . ومن نظر في ذلك وتأمله ، علم أن اللّه - سبحانه - شهد لرسوله أصدق الشهادة .