ابن قيم الجوزية

207

البدائع في علوم القرآن

والجحود : أنه - سبحانه - الكامل في أسمائه وصفاته ، وأنه الموصوف بكل كمال « 1 » ، المنتزه عن كل عيب ونقض . فالكمال كله ، والجمال والجلال والبهاء ، والعزة والعظمة والكبرياء ؛ كله من لوازم ذاته ، يستحيل أن يكون على غير ذلك . فالحياة كلها له ، والعلم كله له ، والقدرة كلها له ، والسمع والبصر والإرادة ، والمشيئة والرحمة والغنى ، والجود والإحسان والبر ، كله خاص له قائم به . وما خفي على الخلق كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه ، بل لا نسبة لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه . ومن كماله المقدس : اطلاعه على كل شيء ، وشهادته عليه ، بحيث لا يغيب عنه وجه من وجوه تفاصيله ، ولا ذرة من ذراته ، باطنا وظاهرا ، ومن هذا شأنه : كيف يليق بالعباد أن يشركوا به وأن يعبدوا معه غيره ؟ وأن يجعلوا معه إلها آخر ؟ وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه . ثم ينصره على ذلك ويؤيده ، ويعلي كلمته ، ويرفع شأنه ، ويجيب دعوته ، ويهلك عدوه ، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة ما تعجز عن مثله قوى البشر ، وهو - مع ذلك - كاذب عليه مفتر ، ساع في الأرض بالفساد . ومعلوم أن شهادته - سبحانه - على كل شيء ، وقدرته على كل شيء ، وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء . ومن ظن به ، وجوزه عليه ؛ فهو من أبعد الخلق من معرفته ، وإن عرف منه بعض صفاته ، كصفة القدرة ، وصفة المشيئة . والقرآن مملوء من هذه الطريق ، وهي طريق الخاصة ، بل خاصة الخاصة هم الذين يستدلون باللّه على أفعاله ، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله . وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك ، فيبديه ويعبده لمن له فهم وقلب واع عن اللّه ، قال اللّه تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) [ الحاقة ] أفلا تراه كيف يخبر - سبحانه - أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل ؟ بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده ، كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه . وقال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ

--> ( 1 ) يجري على ألسنة بعض المسلمين قولهم : « الكمال للّه تعالى » وإن كان المعنى حق وصدق - كما يبين ابن القيم هنا - إلا إن لفظة الكمال لم أقف عليها في السنة أو عند سلفنا الصالح رحمهم اللّه تعالى وإن دلت جميع الأسماء والصفات على معناها كالحكيم والعليم . . . واللّه تعالى أعلم .