ابن قيم الجوزية

199

البدائع في علوم القرآن

كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموها أنتم وحفظتم النص بها ! فلم يرجع إلى الجواب . قلت : وهذا كله مما يقوي أن يكون الضمير في قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها راجعا إلى وَلِكُلٍّ أي هو موليها وجهه ، ليس المراد أن اللّه موليه إياها لوجوه هذا أحدها . الثاني : أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية وإن كان مذكورا فيما قبلها ، ففي إعادة الضمير إليه دون « كلّ » رد الضمير إلى غير من هو أولى به ، ومنعه من القريب منه اللاحق به . الثالث : أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال : هو موليه إياها ، هذا وجه الكلام كما قال تعالى : نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى [ النساء : 115 ] فوجه الكلام أن يقال : ولاه القبلة ، لا يقال : ولي القبلة إياه ، فتأمله . وقول أبي القاسم : أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثا ردا على الطوائف الثلاث ، ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك . والذي يظهر فيه أنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخا للاستقبال الأول فقال : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 144 ] ، ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم ، حيث يجدونه في كتبهم كذلك . ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم ، وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته ، ولا هو أيضا بتابع قبلتهم ، ولا بعضهم بتابع قبلة بعض ، ثم حذره من اتباع أهوائهم ، ثم كرر معرفة أهل الكتاب به ، كمعرفتهم بأبنائهم ، وأنهم ليكتمون الحق عن علم . ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربه ، فلا يلحقه فيه امتراء . ثم أخبر أن لكل من الأمم وجهة هو مستقبلها وموليها وجهة ، فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات . ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ ، ثم أعاد الأمر به غير مكرر له تكررا محضا ، بل في ضمنه أمرهم باستقبالها حيثما كانوا ، كما أمرهم باستقبالها أولا حيثما كانوا عند النسخ وابتداء شرع الحكم ، فأمرهم باستقبالها حيثما كانوا عند شرع الحكم وابتداءه وبعد . المحاجة والمخاصمة والحكم لهم وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم فذكر الأمر