ابن قيم الجوزية
183
البدائع في علوم القرآن
المثال الثاني : ردهم المحكم المعلوم بالضرورة أن الرسل جاءوا به : من إثبات علو اللّه على خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول اللّه تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، وقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] ، وقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [ المجادلة : 7 ] ، ونحو ذلك ، ثم تخيلوا وتحملوا ، حتى ردوا نصوص العلو والفوقية بمتشابه . المثال الثالث : رد القدرية النصوص الصريحة المحكمة في قدرة اللّه على خلقه ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بالمتشابه من قوله : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] ، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] ، إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : 16 ] ، ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوها آخر أخرجوها به من قسم المحكم ، وأدخلوها في المتشابه . المثال الرابع : رد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرا مختارا فاعلا بمشيئته بمتشابه قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان 30 ] ، وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ المدثر : 56 ] ، وقوله : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 39 ] ، وأمثال ذلك ، ثم استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يردها ما صيروها به متشابهة . المثال الخامس : رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشافعة للعصاة ، وخروجهم من النار بالمتشابه من قوله : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) [ المدثر ] ، وقوله : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [ آل عمران : 192 ] ، وقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها [ النساء : 14 ] ، ونحو ذلك ، وفعلوا فيها فعل من ذكرناه سواء . المثال السادس : رد الجهمية النصوص المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى الدرجات ، في رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى في عرصات القيامة . وفي الجنة المتشابه من قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، وقوله لموسى لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] ، وقوله : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] ، ثم أحالوا المحكم متشابها وردوا الجميع . المثال السابع : رد النصوص الصريحة الصحيحة التي تفوق العدد على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به ، كقوله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، وقوله :