ابن قيم الجوزية
180
البدائع في علوم القرآن
الذي فيه مرض ، أو تكون باطشة بقوة ولين ، فذلك مثل القلب العليم الرحيم . فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة ، وبالرحمة خرج عن القسوة . ولهذا وصف - سبحانه - من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات . فتأمل ظهور حكمته - سبحانه - في أصحاب هذه القلوب ، وهم كل الأمة ، فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم ، كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمران : 7 ] . وكلا الوصفين موضع شبهة . فكان حظهم منه الإيمان ، وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة الافتتان . ولهذا جعل - سبحانه - إحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات . فالإحكام هاهنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك ، ونسخ ما يلقي الشيطان هاهنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك . والنسخ هاهنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الرب سبحانه . وللنسخ معنى آخر وهو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ عليه وإن أوهمه ، كما أطلق الصحابة النسخ على قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 284 ] . فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت ، فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا . ولهذا عمهم بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء . ففهم المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها ، فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] ، إلى آخرها . فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك ، وذاك رفع لما ألقاه غير الملك ، في أسماعهم أو في التمني . وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين ، وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام أو بتقييد مطلق ، وهذا كثير في كلامهم جدا . وله معنى رابع ، وهو الذي يعرفه المتأخرون ، وعليه اصطلحوا ، وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له ، فهذه أربعة معان للنسخ « 1 » .
--> ( 1 ) إغاثة اللهفان ( 1 / 368 ) .