ابن قيم الجوزية
181
البدائع في علوم القرآن
والإحكام له ثلاثة معان : أحدهما : الإحكام الذي في مقابلة المتشابه ، كقوله : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ آل عمران : 7 ] . والثاني : الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان كقوله : فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ الحج : 52 ] وهذا الإحكام يعم جميع آياته ، وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ، ومنه قوله كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [ هود : 1 ] . الثالث : إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة ، كما يقول السلف كثيرا : هذه الآية محكمة غير منسوخة . وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل ، فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ . فالحكم هنا هو المنزل من عند اللّه أحكمه اللّه ، أي فصله من اشتباهه بغير المنزل ، وفصل منه ما ليس منه بإبطاله . وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ثبوته . وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله ، وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به « 1 » . التحذير ممن يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة سألت عائشة رضي اللّه عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عن قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [ آل عمران : 7 ] ، فقال : « إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمى اللّه ، فاحذروهم » متفق عليه « 2 » . بيان خطأ الأخذ بالمتشابه في رد المحكم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن ، وردها بذلك وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم ، فإن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به ، استخرجوا من المحكم وصفا متشابها ، وردوه به . فلهم طريقان في رد السنن :
--> ( 1 ) سيأتي الكلام في النسخ قريبا . ( 2 ) إعلام الموقعين ( 4 / 496 ) .