ابن قيم الجوزية

179

البدائع في علوم القرآن

المحكم والمتشابه المحكم أصل للمتشابه إن اللّه - سبحانه - قسم الأدلة السمعية إلى قسمين : محكم ومتشابه ، وجعل المحكم أصلا للمتشابه ، وإمّا له يرد إليه ، فما خالف ظاهر المحكم فهو متشابه يرد إلى المحكم . وقد اتفق المسلمون على هذا ، وأن المحكم هو الأصل ، والمتشابه مردود إليه « 1 » . المتشابه وأنواع الإحكام اللّه - سبحانه - جعل القلوب على ثلاثة أقسام : مريضة ، وقاسية ، ومخبتة . وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة . وأما النوع الثاني : فلا يخلو إما أن يكون الحق ثابتا فيه لا يزول عنه ، لقوته مع لينه ، أو يكون ثابتا مع ضعف وانحلال . والثاني : هو القلب المريض ، والأول هو الصحيح المخبت . وهو جمع الصلابة والصفاء واللين فيبصر الحق بصفائه ، ويشد فيه بصلابته ، ويرحم الخلق بلينه ، كما في أثر مروي : « القلوب آنية اللّه في أرضه ، فأحبها إلى اللّه أصلبها وأرقها وأصفاها » « 2 » ، كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم ، واشتدوا على الكفار بصلابتها وتراحموا فيما بينهم بلينها . وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن ، وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع . وكل عضو كاليد مثلا - إما أن تكون جامدة ويابسة لا تلتوي ولا تبطش ، أو تبطش بضعف ، فذلك مثل القلب القاسي ، أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة ، ولضعفها ومرضها ، فذلك مثل

--> ( 1 ) الصواعق المرسلة ( 2 / 772 ) . ( 2 ) قال العلامة الألباني رحمه اللّه تعالى : « أخرجه الطبراني من المعجم الكبير ، ( المنتقى منه ) ، وإسناده قوي ، رجاله كلهم ثقات أثبات غير نقية ، وهو صدوق كثير التحديث عن الضعفاء . . . ، ولكن هناك قد صرح بالحديث » السلسلة الصحيحة ( 1691 ) .