ابن قيم الجوزية

169

البدائع في علوم القرآن

ببطلانه ، وبحصول ضد ما كان يؤمله فلم يذهب عليه عمله واعتقاده ، لا له ولا عليه ، بل صار معذبا بفوات نفعه ، وبحصول ضد النفع ، فلهذا قال تعالى : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ . فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى . النوع الثاني : أصحاب مثل الظلمات المتراكمة ، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال ، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع ، وظلمة النفوس ، وظلمة الجهل ، حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين ، وظلمة اتباع الغي والهوى ، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له ، وقد غشيه موج ، ومن فوق ذلك الموج موج ، ومن فوقه سحاب مظلم ، فهو في ظلمة البحر ، وظلمة الموج ، ظلمة السحاب ، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه اللّه منها إلى نور الإيمان . وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة ، وهو الماء ، والظلمات المضادة للنور ، نظير المثلين اللذين ضربهما اللّه للمنافقين والمؤمنين ، وهو المثل المائي ، والمثل الناري ، وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق ، وحظ المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور ، والموت المضاد للحياة . فكذلك الكفار في هذين المثلين حظهم من الماء السراب الذي يغر الناظر ، ولا حقيقة له ، وحظهم الظلمات المتراكمة . وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار ، وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي ، فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد . ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار ، وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة ، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى ، وآثروا الباطل على الحق ، وعموا عنه بعد أن أبصروه وجحدوه بعد أن عرفوه . فهذا حال المغضوب عليهم ، والأول حال الضالين . وحال الطائفتين مخالف حال المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى : * اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ إلى قوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) [ النور : 35 - 38 ] فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة المنعم عليهم : وهم أهل النور ، والضالين : وهم أصحاب السراب ، والمغضوب عليهم : وهم أهل الظلمات المتراكمة ، واللّه أعلم . فالمثل الأول من المثلين : لأصحاب العلم الذي لا ينفع ، والاعتقادات الباطلة ،