ابن قيم الجوزية

170

البدائع في علوم القرآن

وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق ، ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه ، وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم . وهكذا أمواج الشكوك ، والشبه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سحب الغي والهوى والباطل . فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين ، وليطابق بينهما المثلين يعرف عظمة القرآن وجلالته ، وأنه تنزيل من حكيم حميد . وأخبر - سبحانه - أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورا ، بل تركهم على الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور ، فإنه سبحانه ولى الذي آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور . وفي المسند من حديث عبد اللّه بن عمرو : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه خلق خلقه في ظلمة ، وألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل ، فلذلك أقول : جف القلم على علم الله » « 1 » . فاللّه سبحانه خلق الخلق ، فمن أراد هدايته جعل له نورا وجوديا يحيا به قلبه وروحه كما يحيى به بدنه بالروح التي ينفخها فيه ، فهما حياتان : حياة البدن بالروح ، وحياة الروح والقلب بالنور . ولهذا سمى - سبحانه - الوحي روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ، كما قال تعالى : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ النحل : 2 ] ، وقال : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر : 15 ] ، وقال تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [ الشورى : 52 ] ، فجعل وحيه روحا ونورا ، فمن لم يحيه بهذا الروح ، فهو ميت ، ومن لم يجعل نورا منه فهو في الظلمات ما له من نور . مثل في بيان حال الكفار ومنها قوله تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( 44 ) [ الفرقان ] ، فشبه أكثر الناس بالأنعام ، والجامع بين النوعين التساوي في عدم

--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد ( 6854 ) ، وقال الشيخ أحمد شاكر : « إسناده صحيح » والحاكم ( 1 / 30 - 31 ) .