ابن قيم الجوزية

163

البدائع في علوم القرآن

وهذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس ، وهو نفي الحكم بنفي علته ، وموجبه . فإن القياس نوعان : قياس طرد : يقتضي إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه ، وقياس عكس : يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه . فالمثل الأول ما ضربه اللّه - سبحانه - لنفسه وللأوثان ، فاللّه - سبحانه - هو المالك لكل شئ ، ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا ، وليلا ونهارا يمينه ملأى ، لا يغيضها نفقة ، سحّاء الليل والنهار « 1 » . والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء ، فكيف يجعلونها شركاء لي ويعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين ؟ هذا قول مجاهد وغيره . وقال ابن عباس : هو مثل ضربه اللّه للمؤمنين والكفار ، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا ، والكافر بمنزلة عبد مملوك ، عاجز لا يقدر على شيء ، لأنه لا خير عنده ، فهل يستوي الرجلان عند أحد العقلاء ؟ والقول الأول أشبه بالمراد ، فإنه أظهر في بطلان الشرك ، وأوضح عند المخاطب ، وأعظم في إقامة الحجة ، وأقرب نسبا بقوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 ) [ النحل : 73 - 74 ] ، ثم قال : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [ النحل : 75 ] ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا . والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ، فهذا نبّه عليه المثل ، وأرشد إليه فذكره ابن عباس منبها على إرادته ، لا أن الآية اختصت به ، فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس ، وغيره من السلف في فهم القرآن فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره ، فيحكيه قوله . وأما المثل الثاني ، فهو مثل ضربه اللّه - سبحانه وتعالى - لنفسه ، ولما يعبد من دونه أيضا ، فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم ، لا يعقل ، ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان ، قد عدم النطق القلبي واللساني ، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء

--> ( 1 ) يشير للحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « أنفق ينفق عليك . . . » إلخ ، رواه البخاري ( 4316 ) في التفسير ، ومسلم ( 1659 ) في الزكاة ورواه غيرهما . ومعنى سحاء : أي دائمة العطاء والفيض ، لا حد لما تجود به ، سبحانه وتعالى .