ابن قيم الجوزية

164

البدائع في علوم القرآن

البتة ؛ وعلى هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ، ولا يقضي لك حاجة ، واللّه - سبحانه - حي قادر متكلم يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم ، وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد ، فإن أمره بالعدل ، وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به ، معلم له ، راض به ، آمر لعباده به ، محب لأهله لا يأمر بسواه ، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل ، بل أمره وشرعه عدل كله . وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه ، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور ، وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني ، والأمر القدري الكوني ، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما ، كما في الحديث الصحيح : « اللهم إني عبدك ابن عبدك ، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك » « 1 » ، فقضاؤه هو أمره الكوني ، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، فلا يأمر إلا بحق وعدل ، وقضاؤه قدره القائم به حق وعدل ، وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم ، فالقضاء غير المقضيّ ، والقدر غير المقدّر . ثم أخبر - سبحانه - أنه على صراط مستقيم ، وهذا نظير قول رسوله شعيب : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) [ هود ] ، فقوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها نظير قوله : « ناصيتي بيدك » ، وقوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، نظير قوله : « عدل فيّ قضاؤك » ، فالأول : ملكه ، والثاني : حمده ، وهو - سبحانه - له الملك ، وله الحمد ، وكونه سبحانه - على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ، ولا يأمر إلا بالعدل ، ولا يفعل إلا ما هو مصلحة وحكمة وعدل ، فهو على الحق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما له به ، ولا يأخذه بغير ذنبه ، ولا ينقصه من حسناته شيئا ، ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ، ولم يتسبب إليها شيئا ، ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه ، ويثنى به عليه ، ويكون له فيه العواقب الحميدة ، والغايات المطلوبة ، فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله . قال محمد بن جرير الطبري : وقوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : إن ربي على

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد ( 3712 ) ، وقال الشيخ أحمد شاكر : « إسناده صحيح » ، وقال الهيثمي في المجمع ( 10 / 139 ) : « رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان » . ورواه الحاكم ( 1 / 509 / 510 ) وصححه على شرط مسلم وتعقبه الذهبي وابن حبان ( 2372 ) وأبو يعلى ( 9 / 196 ) .