ابن قيم الجوزية
160
البدائع في علوم القرآن
فالخلق كلهم قسمان : موفق بالتثبيت ، ومخذول بترك التثبيت ، ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت ، وفعل ما أمر به العبد ، فبهما يثبت اللّه عبده ، فكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا ، قال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [ النساء : 66 ] . فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا ، والقول الثابت : هو القول الحق والصدق ، وهو ضد القول الباطل الكذب ، فالقول نوعان : ثابت له حقيقة ، وباطل لا حقيقة له ، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها ، فهي أعظم ما يثبت اللّه بها عبده في الدنيا والآخرة . ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس ، وأشجعهم قلبا ، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا وأقلهم ثباتا . وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار ، وشجاعته ومهابته ، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة . وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به ، فقال : واللّه ما فهمت منه شيئا إلا أني رأيت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل . فما منح العبد منحة أفضل من منحه القول الثابت ، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ، ويوم معادهم ، كما في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر » « 1 » . وقد جاء هذا مبينا في أحاديث صحاح ، فمنها ما في المسند من حديث داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في جنازة ، فقال : « يا أيها الناس ، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فإذا الإنسان دفن ، وتفرق عنه أصحابه ، جاءه ملك بيده مطراق فأقعده ، فقال : ما تقول في هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمنا قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فيقول له : صدقت ، فيفتح له باب إلى النار ، فيقال له : هذا منزلك لو كفرت بربك ، فأما إذ آمنت ، فإن اللّه أبدلك به هذا ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيريد أن ينهض له ، فيقال له : اسكن ، ثم يفسح له في قبره ، وأما الكافر [ أو ] المنافق : فيقال له : ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري ، فيقال له : لا دريت ولا اهتديت ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيقال له : هذا منزلك لو آمنت بربك ، فأما
--> ( 1 ) حديث صحيح عند مسلم ( 5 / 722 - 723 ) وقد سبق تخريجه ، فلا تغتر أخي القارئ بكلام الجهال منكري الأمر ، والذي خالف كل من تكلم في باب العقيدة من أهل السنة ، ولا تنسى أنك في زمان كثر فيه القول بلا علم .