ابن قيم الجوزية
159
البدائع في علوم القرآن
اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ، يقول : الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ، ولا برهان ، ولا يقبل اللّه مع الشرك عملا ، فلا يقبل عمل المشرك ، ولا يصعد إلى اللّه ، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء ، يقول : ليس له عمل صالح في الدنيا والآخرة . وقال الربيع بن أنس : مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر ، ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع ، ولا يستقر ولا عمله على الأرض ، ولا يصعد إلى السماء . وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية : إن رجلا لقي رجلا من أهل العلم ، فقال له : ما تقول في الكلمة الخبيثة ؟ قال : ما أعلم لها في الأرض مستقرا ، ولا في السماء مصعدا ، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى توافي بها القيامة . وقوله : اجْتُثَّتْ أي : استؤصلت من فوق الأرض ، ثم أخبر - سبحانه - عن فضله وعدله في الفريقين : أصحاب الكلم الطيب ، والكلم الخبيث . فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة ، وأنه يضل الظالمين - وهم المشركون - عن القول الثابت ، فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم ، وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم . مثل في تثبيت المؤمن تحت قوله : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : 27 ] ، كنز عظيم من وفق لمظنته ، وأحسن استخراجه واقتناءه ، وأنفق منه فقد غنم ، ومن حرمه فقد حرم . وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت اللّه له طرفة عين ، فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما ، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه ، عبده ورسوله : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) [ الإسراء ] ، وقال تعالى لأكرم خلقه : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ الأنفال : 12 ] . وفي الصحيحين من حديث البجلي قال : « وهو يسألهم ويثبتهم » « 1 » : وقال تعالى لرسوله : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] .
--> ( 1 ) لم أجده في الصحيحين ، ولكنه في المسند ( 2 / 368 ) وعند الترمذي ( 2557 ) في صفة الجنة ، باب : ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار ، بلفظ : « وهو يأمركم ويثبتهم » وقال : حسن صحيح ، كلاها من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه واللّه تعالى أعلم .