ابن قيم الجوزية

158

البدائع في علوم القرآن

غريب ليس من جنسه ، فإن تعاهده ربه ونقاه وقلعه ، كمل الغرس والزرع واستوى ، وتم نباته ، وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى . وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع ويكون الحكم له ، أو يضعف الأصل ، ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته ، ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به ، فإنه يفوته ربح كبير وهو لا يشعر ، فالمؤمن دائما سعيه في شيئين : سقي هذه الشجرة ، وتنقية ما حولها ، فيسقيها تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم ، واللّه المستعان وعليه التكلان . فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم ، ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقفة ، وقلوبنا المخطئة ، وعلومنا القاصرة ، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار ، وإلا فلو طهرت منا القلوب ، وصفت الأذهان ، وزكت النفوس ، وخلصت الأعمال ، وتجردت الهمم للتلقي عن اللّه ورسوله لشاهدنا من معاني كلام اللّه وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم ، وتتلاشى عنده معارف الخلق ، وبهذا تعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم ، وأن التفاوت الذي بين علومهم ، وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل ، واللّه أعلم حيث يجعل مواقع فضله ، ومن يختص برحمته . مثل الكلمة الخبيثة ثم ذكر - سبحانه - مثل الكلمة الخبيثة ، فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، فلا عرق ثابت ، ولا فرع عال ، ولا ثمرة زاكية ، فلا ظل ولا جنى ولا ساق قائم ، ولا عرق في الأرض ثابت ، فلا أسفلها مغدق ، ولا أعلاها مونق ، ولا جنى لها ، ولا تعلو بل تعلى ، ويقول اللّه تعالى : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ [ إبراهيم : 26 ] . وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكسبهم ، وجده كذلك ، فالخسران الوقوف معه ، والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه . قال الضحاك : ضرب اللّه مثلا للكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، يقول : ليس لها أصل ولا فرع وليس لها ثمرة ، ولا فيها منفعة ، كذلك الكافر لا يعمل خيرا ، ولا يقوله ، ولا يجعل اللّه فيه بركة ولا منفعة . وقال ابن عباس : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ وهي الشرك كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ، يعني : الكافر ،