ابن قيم الجوزية

157

البدائع في علوم القرآن

والمقصود بالمثل : المؤمن ، والنخلة مشبهة به وهو مشبه بها ، وإذا كانت النخلة شجرة طيبة ، فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك ، ومن قال من السلف : إنها شجرة في الجنة ، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة . وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به ، ويقتضيه علم الذي تكلم به وحكمته . فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر ، كذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به ، فعروقها العلم والمعرفة واليقين ، وساقها الإخلاص ، وفروعها الأعمال ، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة ، والأخلاق الزكية والسمت الصالح ، والهدي والدل المرضي . فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور . فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل اللّه كتابه به ، والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن نفسه ، وأخبرت به عنه رسله ، والإخلاص قائم في القلب ، والأعمال موافقة للأمر والهدي ، والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت ، وفرعها في السماء ، وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ، ما لها من قرار . ومنها : أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها ، فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس ، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع ، والعمل الصالح ، والعود بالتذكر على التفكر على التذكر ، وإلا أوشك أن تيبس . وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب ، فجددوا إيمانكم » « 1 » . وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك . ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر اللّه به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظفها عليها ، وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلبهم . ومنها : أن الغرس والزرع النافع قد أجرى اللّه سبحانه العادة أن يخالطه دغل ونبت

--> ( 1 ) عند أحمد من قوله « جددوا إيمانكم » دون أوله ( 8695 ) ، وقال الهيثمي في المجمع ( 1 / 57 ) : « إسناده جيد وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان » ، ورواه الحاكم ( 1 / 4 ) وانظر الصحيحة للألباني ( 1585 ) .