ابن قيم الجوزية

154

البدائع في علوم القرآن

والخبث ، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي استقى منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم ، كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه ، ينتفع به غيره ، ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يدرهما ، ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما ، واللّه الموفق . مثل في بطلان أعمار الكفار ومنها قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) [ إبراهيم ] ، فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف ، فشبه - سبحانه - أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور ، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان ، وكونها لغير اللّه - عز وجل - وعلى غير أمره برماد طيرته الريح العاصف ، فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه ، فلذلك قال : لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء ، فلا يرون له أثرا من ثواب ، ولا فائدة نافعة ، فإن اللّه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه . والأعمال أربعة : فواحد مقبول ، وثلاثة مردودة . فالمقبول : الخالص الصواب . فالخالص : أن يكون للّه لا لغيره ، والصواب : أن يكون مما شرعه اللّه على لسان رسوله . والثلاثة المردودة ما خالف ذلك . وفي تشبيهها بالرماد سر بديع ، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم ، وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا ، فكانت الأعمال التي لغير اللّه ، وعلى غير مراده طعمة للنار ، وبها تسعر النار على أصحابها ، وينشئ اللّه - سبحانه - لهم من أعمالهم الباطلة نار عذابا ، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا ، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادا ، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون اللّه وقود النار .