ابن قيم الجوزية

145

البدائع في علوم القرآن

أي ما تنفك مناخة ، وهذا جواب فاسد ، فإن « إلا » لا تزاد في الكلام . الجواب الثاني : أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء ، لا في خصوصيات المدعو . الجواب الثالث : أن المعنى أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع بنعيقه بشيء ، غير أنه هو في دعاء ونداء ، وكذلك المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء ، وقيل : المعنى : ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت ، فالراعي هو داعي الكفار ، والكفار هم البهائم المنعوق بها . قال سيبويه « 1 » : « المعنى : ومثلك يا محمد ، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به . وعلى قوله : فيكون المعنى : ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها » . ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب ، وأن تجعله من التشبيه المفرق « 2 » ، فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي ، فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء ، ، وإن جعلته من التشبيه المفرق ، فالذين كفروا بمنزلة البهائم ، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها ، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق ، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق ، واللّه أعلم . مثل المنفقين في سبيل الله ومنها قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) [ البقرة ] ، شبه - سبحانه - نفقة المنفق في سبيله سواء كان المراد به الجهاد ، أو جميع سبل الخير من كل بر ، كمن بذر بذرا ، فأنبتت كل حبة منه سبع سنابل ، اشتملت كل سنبلة على مائة حبة ، واللّه يضاعف ذلك بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها ، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص ، والتثبيت عند النفقة ، وهو إخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره بإخراجه ، وسمحت به نفسه ، وخرج من قلبه خروجه من يده ، فهو ثابت القلب عند إخراجه غير جزع ولا هلع ، ولا متعبة نفسه ترجف يده ، وفؤاده ، ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه ، وبحسب طيب المنفق وزكاته .

--> ( 1 ) الكتاب ، لسيبويه ( 1 / 212 ) بألفاظ متقاربة . ( 2 ) هو التشبيه الذي وجه الشبه فيه صورة منزعة من متعدد ويسمى التمثيلي ، والمركب عكسه .