ابن قيم الجوزية

146

البدائع في علوم القرآن

وتحت هذا المثل من الفقه أنه - سبحانه - شبه الإنفاق بالبذر ، فالمنفق ماله الطيب للّه لا لغيره باذر ماله في أرض زكية ، فمغله بحسب بذره ، وطيب أرضه ، وتعاهد البذر بالسقي ، ونفي الدغل والنبات الغريب عنه . فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ، ولا لحقته جائحة ، جاء أمثال الجبل . وكان مثله كمثل جنة بربوة ، وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والريح ، فتتربي الأشجار هناك أتم تربية ، فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع ، فرواها ونماها ، فآتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل ، فإن لم يصبها وابل ، فطل : مطر صغير القطر ، يكفيها لكرم منبتها ، يزكو على الطل ، وينمي عليه ، مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل . فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا ، ومنهم من يكون إنفاقه طلا ، واللّه لا يضيع مثقال ذرة . فإن عرض لهذا العامل ما يغرق أعماله ، ويبطل حسناته كان بمنزلة رجل له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات ، وأصابه الكبر ، وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت . فإن كان يوم استيفاء الأعمال ، وإحراز الأجور وجد هذا العامل عمله ، قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة ، فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته . فهذا مثل ضربه اللّه سبحانه في الحسرة لسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عظم قدرها ومنفعتها ، والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف ، فهو أحوج ما كان إلى نعمته ، ومع هذا فله ذرية ضعفاء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحة ، بل هم في عياله ، فحاجته إلى نعمته حينئذ أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته ، فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم ، فيه من جميع الفواكه والثمر ، وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها . وهو ثمر النخيل والأعناب ، فمغله يقوم بكفايته وكفاية ذريته ، فأصبح يوما ، وقد وجده محترقا كله كالصريم ، فأي حسرة أعظم من حسرته . قال ابن عباس : هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره . وقال مجاهد : هذا مثل المفرط في طاعة اللّه حتى يموت . وقال السدي : هذا مثل المرائي في نفقته الذي ينفق لغير اللّه ، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه .