ابن قيم الجوزية
138
البدائع في علوم القرآن
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) [ الشورى ] ، وقال : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] ، فالحسنة والسيئة هاهنا : النعمة والمصيبة ، فالنعمة من اللّه منّ بها عليك ، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك ، فالأول فضله ، والثاني عدله ، والعبد يتقلب بين فضله وعدله ، جار عليه فضله ، ماض فيه حكمه ، عدل فيه قضاؤه وختم الآية الأولى بقوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بعد قوله : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إعلاما لهم بعموم قدرته مع عدله ، وأنه عادل قادر ، وفي ذلك إثبات القدر والسبب ، فذكر السبب ، وأضافه إلى نفوسهم ، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه ، فالأول ينفي الجبر ، والثاني ينفي القول بإبطال القدر ، فهو يشاكل قوله : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) [ التكوير ] . وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة ، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته ، وأنه هو الذي لو شاء لصرف عنكم ، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره ، ولا تتكلوا على سواه ، وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله : وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 166 ] وهو الإذن الكوني القدري ، لا الشرعي الديني كقوله في السحر : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 102 ] . ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير ، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تمييزا ظاهرا ، وكان من حكمة هذا التقدير تكلم المنافقين بما في نفوسهم ، فسمعه المؤمنون ، وسمعوا رد اللّه عليهم وجوابه لهم ، وعرفوا مؤدى النفاق وما يؤول إليه ، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة ، فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة ، فللّه كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ، ونعمة على المؤمنين سابغة ، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه ، وتعريف بأسباب الخير والشر وما لهما وعاقبتهما . ثم عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية ، وألطفها وأدعاها إلى الرضى بما قضاه لها ، فقال : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) [ آل عمران ] ، فجمع لهم الحياة الدائمة منزلة القرب منه ، وأنهم عنده ، وجريان الرزق المستمر عليهم ، وفرحهم بما آتاهم من فضله ، وهو فوق الرضا ، بل هو كمال الرضا ، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته . وذكرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو من أعظم مننه ونعمه عليهم ، التي إن قابلوا بها كل محنة تنالهم