ابن قيم الجوزية
139
البدائع في علوم القرآن
وبلية ، تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة ، ولم يبق لها أثر البتة ، وهي : منته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم إليهم ، يتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وينقذهم من الضلال الذي كانوا فيه قبل إرساله إلى الهدى ، ومن الشقاء إلى الفلاح ، ومن الظلمة إلى النور ، ومن الجهل إلى العلم . فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد حصول هذا الخير العظيم له أمر يسير جدا في جنب الخير الكثير ، كما ينال الناس بأذى المطر في جنب ما يحصل لهم به من الخير ، فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ، ليحذروا ، وأنها بقضائه وقدره ليوحّدوا ويتكلوا ، ولا يخافوا غيره ، وأخبرهم بما لهم فيها من الحكم ، لئلا يتهموه في قضائه وقدره ، وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته ، وسلّاهم بما أعطاهم مما هو أجل قدرا ، وأعظم خطرا مما فاتهم من النصر والغنيمة ، وعزّاهم عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته ، لينافسوهم فيه ، ولا يحزنوا عليهم ، فله الحمد كما هو أهله ، وكما ينبغي لكرم وجهه ، وعزّ جلاله « 1 » . باب منه : قال اللّه تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . قلت : اعتقد جماعة أن المراد بالآية : سلب فعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عنه ، وإضافته إلى الرب تعالى . وجعلوا ذلك أصلا في الجبر ، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد . وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده ، وهذا غلط منهم في فهم القرآن . فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال . فيقال : ما صليت إذ صليت ، وما صمت إذ صمت ، وما ضحيت إذ ضحيت ، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته ، ولكن اللّه فعل ذلك . فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد - طاعتهم ومعاصيهم - إذ لا فرق . فإن خصوه بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وحده وأفعاله جميعا ، أو رميه وحده : تناقضوا ، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية . وبعد ، فهذه الآية نزلت « 2 » في شأن رميه صلى اللّه عليه وسلم المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء ، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته ، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ ، فكان منه صلى اللّه عليه وسلم مبدأ الرمي ، وهو الحذف ، ومن اللّه سبحانه وتعالى نهايته ، وهو الإيصال ، فأضاف
--> ( 1 ) زاد المعاد ( 3 / 218 - 244 ) . ( 2 ) ذكر ذلك ابن إسحاق ( 2 / 46 ) والطبراني في الكبير ( 3 / 203 ) من حديث حكيم ابن حزام رضي اللّه عنه ، وقال الهيثمي « إسناده حسن » ( 6 / 84 ) ورواه في الكبير أيضا ( 11 / 285 ) وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح .