ابن قيم الجوزية

133

البدائع في علوم القرآن

إرادة في حصوله ، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به ، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ، ورسله ، ويجريها على أيديهم يضلون بها عباده ، وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته ، فيخلده في الجحيم أسفل السافلين . وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه ، فيرفعه إلى أعلى عليين ، وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء ، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل ، وتشبيه ، وتمثيل ، وترك الحق ، لم يخبر به ، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة ، وأشار إليه إشارات ملغزة لم يصرح به ، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل ، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه ، وتأويله على غير تأويله ، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة ، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان ، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم ، لا على كتابه ، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم ، مع قدرته على أي يصرح لهم بالحق الذي يبغي التصريح به ، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل ، ، فلم يفعل ، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان ، فقد ظن به ظن السوء ، فإنه إن قال : إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه ، فقد ظن بقدرته العجز ، وإن قال : إنه قادر ولم يبين ، وعدل عن البيان ، وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم ، بل يوقع في الباطل المحال ، والاعتقاد الفاسد ، فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء ، وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون اللّه ورسوله ، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم ، وأما كلام اللّه ، فإنما يؤخذ من ظاهرة التشبيه ، والتمثيل ، والضلال ، وظاهر كلام المتهوكين « 1 » الحيارى ، هو الهدى والحق ، وهذا من أسوأ الظن باللّه ، فكل هؤلاء من الظانين باللّه ظن السوء ، ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية . ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن به أنه كان معطّلا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل ، ولا يوصف حينئذ بالقدرة

--> ( 1 ) التهود : كالتهور ، وهو إتيان الأمور بلا رؤية .