ابن قيم الجوزية
134
البدائع في علوم القرآن
على الفعل ، ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا ، فقد به ظن السوء . ومن ظن به أنه لا يسمع ولا يبصر ، ولا يعلم الموجودات ، ولا عدد السماوات والأرض ، ولا النجوم ، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم ، ولا يعلم شيئا من الموجودات في الأعيان ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن أنه لا سمع له ، ولا بصر ، ولا علم له ، ولا إرادة ، ولا كلام يقول به ، وأنه لم يكلم أحدا من الخلق ، ولا يتكلم أبدا ، ولا قال ولا يقول ، ولا له أمر ولا نهي يقوم به ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن به أنه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه ، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين ، وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها ، وأنه أسفل ، كما أنه أعلى ، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه . ومن ظن به أنه يحب الكفر ، والفسوق ، والعصيان ، ويحب الفساد كما يحب الإيمان ، والبر ، والطاعة ، والإصلاح ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى ، ولا يغضب ولا يسخط ، ولا يوالي ولا يعادي ، ولا يقرب من أحد من خلقه ، ولا يقرب منه أحد ، وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه المفلحين ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين ، أو يفرق بين المتساويين من كل وجه ، أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها ، فيخلد فاعل تلك الطاعات في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة ، ويحبط بها جميع طاعاته ويخلّده في العذاب ، كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين ، وقد استنفد ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه ، فقد ظن به ظن السوء . وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله ، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه ، ووصفته به رسله ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن أن له ولدا ، أو شريكا أو أن أحدا يشفع عنده بدون إذنه ، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه ، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ، ويتوسلون بهم إليه ، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه ، فيدعونهم ، ويحبونهم كحبه ، ويخافونهم ويرجعونهم ، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه . ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته ، كما يناله بطاعته والتقرب إليه ، فقد ظن