ابن قيم الجوزية
102
البدائع في علوم القرآن
أصحابه في فراقها ، فأشار عليه عليّ رضي اللّه عنه أن يفارقها ، ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا ، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها ، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء فعليّ لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه ، أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين لتخلص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس ، فأشار بحسم الداء ، وأسامة لما علم حب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لها ولأبيها ، وعلم من عفتها وبراءتها ، وحصانتها وديانتها ما هي فوق ذلك ، وأعظم منه ، وعرف من كرامة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ربه ومنزلته عنده ، ودفاعه عنه ، أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء ، وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها بها أرباب الإفك ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكرم على ربه ، وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا ، وعلم أن الصديقة حبيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكرم على ربها أن يبتليها بالفاحشة ، وهي تحت رسوله ، ومن قويت معرفته للّه ومعرفته لرسوله وقدره عند اللّه في قلبه ، قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة ، لما سمعوا ذلك : سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [ النور : 16 ] . وتأمل ما في تسبيحهم لله ، وتنزيههم لهم في هذا المقام من المعرفة به ، وتنزيهه عما لا يليق به ، أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة خبيثة بغيا ، فمن ظن به سبحانه هذا الظن ، فقد ظن به ظن السوء ، وعرف أهل المعرفة باللّه ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها ، كما قال تعالى : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ [ النور : 26 ] ، فقطعوا قطعا لا يشكون فيه أن هذا بهتان عظيم ، وفرية ظاهرة . فإن قيل : فما بال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توقف في أمرها ، وسأل عنها ، وبحث ، واستشار ، وهو أعرف باللّه ، وبمنزلته عنده ، وبما يليق به ، وهلا قال : سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما قاله فضلاء الصحابة ؟ فالجواب أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل اللّه هذه القصة سببها لها ، وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ، ليرفع بهذه القصة أقواما ، ويضع بها آخرين ، ويزيد اللّه الذين اهتدوا هدى وإيمانا ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ، واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها ، لا يوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها ، وتظهر على أكمل الوجوه ، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق ، وحسن الظن باللّه ورسوله ، وأهل بيته ، والصديقين من عباده ، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ، ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها ، وتتم نعمة اللّه عليهم ، ولتشتد الفاقة والرغبة منها