ابن قيم الجوزية

103

البدائع في علوم القرآن

ومن أبويها ، والافتقار إلى اللّه والذلّ له ، وحسن الظن به ، والرجاء له ، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين ، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ، ولهذا وفت هذا المقام حقه ، لما قال لها أبوها : قومي إليه ، وقد أنزل اللّه عليه براءتها ، فقالت : واللّه لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا اللّه ، هو الذي أنزل براءتي . أيضا : فكان من حكمة حبس الوحي شهرا ، أن القضية محصت وتمحضت ، واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه اللّه إلى رسوله فيها ، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع ، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأهل بيته ، والصديق وأهله ، وأصحابه والمؤمنون ، فورد عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه ، فوقع منهم أعظم موقع وألطفه ، وسروا به أتم السرور ، وحصل لهم به غاية الهناء ، فلو أطلع اللّه رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة ، وأنزل الوحي على الفور بذلك ، لفاتت هذه الحكم وأضعافها بل أضعاف أضعافها . وأيضا : فإن اللّه - سبحانه - أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده ، وكرامتهم عليه ، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ، ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه ، والرد على أعدائه ، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون فيه عمل ، ولا ينسب إليه ، بل يكون هو وحده المتولي لذلك ، الثائر لرسوله وأهل بيته . وأيضا ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى ، والتي رميت زوجته ، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه ، أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها ، ولم يظن بها سوءا قط ، وحاشاه ، وحاشاها ، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك ، قال : « من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي ، واللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي » « 1 » ، فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين ، ولكن لكمال صبره وثباته ، ورفقه ، وحسن ظنه بربه ، وثقته به ، وفي مقام الصبر والثبات ، وحسن الظن باللّه حقه ، حتى جاءه الوحي بما أقر عينه ، وسرّ قلبه ، وعظم قدره ، وظهر لأمته احتفال ربه به ، واعتناؤه بشأنه . ولما جاء الوحي ببراءتها ، أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمن صرح بالإفك ، فحدوا ثمانين ثمانين

--> ( 1 ) البخاري ( 4141 ) في المغازي ، باب : حديث الإفك ، ومسلم ( 2770 / 56 ) في التوبة ، باب : في حديث الإفك وقبول توبة القاذف .