ابن قيم الجوزية
101
البدائع في علوم القرآن
وذكر الطبراني في « معجمه » من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : ولما كان من أمر عقدي ما كان ، قال أهل الإفك ما قالوا ، فخرجت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزاة أخرى ، فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس ، ولقيت من أبي بكر ما شاء اللّه ، وقال لي : يا بنية ، في كل سفر تكونين عناء وبلاء ، وليس مع الناس ماء ، فأنزل اللّه الرخصة في التيمم « 1 » . وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة ، وهو الظاهر ، ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه ، فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى ، ونحن نشير إلى قصة الإفك . وذلك أن عائشة رضي اللّه عنها كانت قد خرج بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها ، وكانت تلك عادته مع نسائه ، فلما رجعوا من الغزوة ، نزلوا في بعض المنازل ، فخرجت عائشة لحاجتها ، ثم رجعت ، ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه ، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه ، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها ، فظنوها فيه ، فحملوا الهودج ، ولا ينكرون خفته ، لأنها رضي اللّه عنها كانت فتية السن ، لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها ، وأيضا ، فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج ، لم ينكروا خفته ، ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين ، لم يخف عليهما الحال ، فرجعت عائشة إلى منازلهم ، وقد أصابت العقد ، فإذا ليس بها داع ولا مجيب ، فقعدت في المنزل ، وظنت أنهم سيفقدونها ، فيرجعون في طلبها ، واللّه غالب على أمره ، يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء ، فغلبتها عيناها ، فنامت ، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، زوجة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش ، لأنه كان كثير النوم - كما جاء عنه في الصحيح « صحيح أبي حاتم » وفي « السنن » - فلما رآها عرفها ، وكان يراها قبل نزول الحجاب ، فاسترجع ، وأناخ راحلته ، فقربها إليها ، فركبتها ، وما كلمها كلمة واحدة ، ولم تسمع منه إلا استرجاعه ، ثم سار بها يقودها حتى قدم بها ، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ، فلما رأى ذلك الناس ، تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به ، ووجد الخبيث - عدو اللّه - ابن أبيّ متنفسا ، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه ، فجعل يستحكي الإفك ، ويستوشيه ، ويشيعه ، ويذيعه ، ويجمعه ، ويفرقه ، وكان أصحابه يتقربون به إليه ، فلما قدموا المدينة ، أفاض أهل الإفك في الحديث ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساكت لا يتكلم ، ثم استشار
--> ( 1 ) الطبراني في الكبير ( 23 / 121 ) ( 159 ) .