محمد بن الطيب الباقلاني
445
الإنتصار للقرآن
ومما يدلّ على أنّ تأويل الخبر إن صح بما قلناه ، وأنّه لم يقصد ذهاب القرآن وتغيير الأمة له وتحريفه وتضييع أحكامه وحدوده ، علمنا بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه قد كان يخبرهم بآيات الساعة وأشراطها ، وعن الحوادث التي تحدث بينهم ، والحروب ، ويحذر من التسرع فيها ويكرر عليهم أمثال هذه الأقاويل ، فلو علم صلّى اللّه عليه أنّ الامّة ستضيّع القرآن وتغيره وتبدله لوجب أن يخبرهم بذلك ويعرفهم أنه من إحداثهم ، ومما يخافه عليهم ، فلمّا عدل عن هذا إلى إخبارهم بما يدلّ على أن القرآن أبدا هاد ، وأنّ التمسّك به والرجوع إليه وحمل السّنن والآثار عليه لأنه / باق فيهم ، وإن خاف عليهم عدم [ 294 ] الانتفاع به كما عدمت اليهود والنّصارى الانتفاع بكتابهم ؛ فما أغنى عنهم شيئا ، دلّ ذلك على ظهور أمر القرآن أبدا ، وقيام الحجة به وانقطاع العذر فيه . وقد روى النّاس على طبقاتهم ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه قال في ( خطبته ) « 1 » على الناس في الحرم في حجة الوداع ، ويوم الجمع الأعظم بعد أن عرفهم حرمة الشهر والبلد ، وتحريم دمائهم وأموالهم ، وأمرهم بأمور ونهاهم عن أمور : « قد خلّفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب اللّه وسنّتي » « 2 » ، ولو علم أنّ كتاب اللّه سيذهب ويصير من التغيير والفساد إلى حال لا تقوم به الحجة لم يكن للأمر بالرجوع إليه والتمسّك به وجه ، ولكان يجب أن يخبرهم بأنّ الكتاب سيذهب ، فلا يبقي معهم ما يرجعون إليه ويهتدون به ، وكيف يكون ذلك كذلك وهو يحذّرهم في هذه الخطبة من
--> ( 1 ) في الأصل ( صحبته ) والجادة في ( خطبته ) . ( 2 ) رواه الحاكم في « المستدرك » ( 1 : 93 ) كتاب العلم خطبته صلّى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع ، وابن أبي شيبة في « المصنف » ( 7 : 175 ) كتاب فضائل القرآن ، ومالك في « الموطأ » ( 2 : 899 ) كتاب القدر .