محمد بن الطيب الباقلاني

405

الإنتصار للقرآن

بالثبوت والصحّة من الرواية التي ذكروها ، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلّقوا به ، لأنّ من شأن الخبرين المتعارضين أن يتساويا ، فإمّا أن يكون أحدهما خبر واحد والآخر تواتر ، ونقل الكافّة بأنّ هذا هو القرآن كلّه تواتر ، وجميع ما يروى من خبر أبي موسى وعائشة وغيرهما أخبار أدلّة ضعاف لا يرتفع بها ، فسقط ما قالوه . وعلى أنّ هذه الروايات لو صحّت عن أبي موسى لاحتملت من التأويل الصحيح غير ما ذهبوا إليه ، وذلك أن قوله : « واللّه لقد كنّا نقرأ سورة على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه كنّا نشبّهها ببراءة تغليظا وتشديدا فنسيناها غير أنّي أحفظ منها حرفا أو حرفين » إلى آخر الخبر ليس بتصريح منه ولا يقرّه فكأنّهم ذهبوا عن حفظ ما لزمهم حفظه وبقي رسمه ، ولا بأنّ غيره كان لا يحفظ من هذه السورة المنسوخة ما يذهب عليه حفظه ، وإنّما هو إخبار منه بأنّهم كانوا يقرءون سورة / هذه صفتها ، فيمكن أن يكون ذلك صحيحا عنه ، [ 267 ] وأن تكون تلك السورة نسخ رسمها فتشاغل أبو موسى بحفظ الواجب الباقي رسمه عن حفظها فلم يبق عليه منه إلا حرف أو حرفان ، وأن يكون غيره قد كان يحفظها بأسرها أو كثيرا منها ، وهو لم يصرّح بأنّهم أسقطوها ونقصوها وأنّها باقية غير منسوخة ، وإنّما أخبر أنّهم كانوا يقرءونها فقط ، وهذا لا يدلّ على بقاء رسمها ويدل على أنّ هذه الرواية إن صحّت فهذا قصده بذكر ما قاله في قوله : « غير أنّي أحفظ منها لو كان لابن آدم » . وهذا من جملة ما قد تظاهرت الأخبار بأنّه منسوخ ، فيجب أن يكون حكم ما نسيه في أنّه منسوخ حكم ما ذكره معه ، في ظاهر الحال وقد يجوز أن يذهب الناس عن حفظ ما يسقط فرض حقّه ونسخ رسمه ، ولا يجوز في مستقرّ العادة ذهابهم جميعا عن حفظ الباقي الرسم الثابت الفرض ، وإذا