محمد بن الطيب الباقلاني
318
الإنتصار للقرآن
ويمكن أيضا أن يكون إنّما لم يكتبهما ولا الحمد لأنّه لم ير قطّ رسول اللّه صلى اللّه عليه أكتبهنّ أحدا ولا أمر بكتابتهن ، ولا اتفق أنّه بلغه ذلك من وجه يوجب العلم عنده ، ورآه صلى اللّه عليه قد كتب جميع سور القرآن ، وأمر بأن تكتب فكتب منه ما كتّبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وكتب بحضرته وأمر بأن يكتب ، ولم يكتب الحمد والمعوّذتين ، لأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه لم يكتبها ، فتكون شدّة إيثاره للاتباع وترك الإحداث في القرآن لما لم يفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه هو الذي حداه على ذلك ، وهذا غاية التشدّد ، وأدلّ الأمور على الورع ، ويكون باقي الناس ، إنّما كتبوا هذه السورة لعلمهم بأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه كتبهن كما كتب غيرهن . [ 197 ] فإن قال قائل : هذا الذي قلتم ممّا / لم يذكر ولا روي عن عبد اللّه . يقال لهم : يمكن أن يكون لم يقل ذلك كلّه لأنّه لم يسأل عنه ، لأنّ الناس لما سمعوه - مع ترك كتابته هذه السورة - يقرؤهن ويصلّي بهنّ ، ويديم الصلاة بهنّ والدرس لهنّ ، وإن كان لا يفردهنّ في الصلاة ولا في الدّرس : زالت عنهم الشّبهة في أن يعتقد كونهنّ قرآنا ، فلم يباحثوه عمّا دعاه إلى ترك كتابتهن في مصحفه ، وهذا جائز ليس ببعيد ، وإذا احتمل ترك كتابة هذه السورة ما وصفناه بطل التعلّق بهذا الباب . ويجوز أيضا أن يكون عبد اللّه إنما لم يكتب الحمد والمعوّذتين في مصحفه على خلاف ترتيب إثباتها في مصحف عثمان ، بل كان يرى أن يثبته على تاريخ نزوله ، فلمّا رتّب ذلك لنفسه كره أن يقدّم على سورة في المصحف السّور التي أنزلت قبلها على ما أوجبه التاريخ وترتيب مصحفه ، لأجل تسمية رسول اللّه صلى اللّه عليه وجمع الأمّة الحمد فاتحة الكتاب وأمّ الكتاب ، فامتنع لذلك من أن يفتتح المصحف بغيرها لئلا يخالف السّنّة في