محمد بن الطيب الباقلاني

319

الإنتصار للقرآن

هذه التسمية ويؤخّر كتابة ما هو الفاتحة ، وكره أيضا مع ذلك أن يثبتها في أول المصحف مقدّمة على ما نزل قبلها ، فيكون بذلك كاتبا لها على غير تاريخ النزول ، ومفسدا به ما أصّل كتابة مصحفه عليه ، فترك لأجل ذلك أن يكتبها لا لأجل جحده أن تكون قرآنا منزلا ، فلمّا فعل ذلك في الحمد الذي هو فاتحة الكتاب فعل مثله في الخاتمة ، لاعتقاده أنّه قد نزل بعد نزول الناس والفلق شيء من القرآن ، فكره أن يختم بذلك النازل الذي هو آخر ما نزل لأنّ السّنّة غير ذلك ، وكره أن يثبت الناس في خاتمة مصحفه فيكون قد قدّم على الناس والفلق في الرسم ما هما قبله في النزول ، فيفسد أيضا بذلك تأليف مصحفه على التاريخ الذي عمل عليه ، وإذا احتمل الأمر ما وصفناه لم يجب حمل ذلك منه على جحد ما ترك رسمه وكتابته وإن كان عنده كونه قرآنا منزلا / . [ 198 ] فإن قال القائل : ما قلتموه في الخاتمة من التأويل إنّما يتم لكم في الناس التي هي الخاتمة ، فما باله لم يثبت الفلق - وهي سورة منفصلة عنها - على تاريخ نزولها ؟ قيل له : يمكن أن يكون إنّما فعل ذلك لأنّه لم يسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قطّ يتلو الناس مفردة منفصلة من الفلق ، ولا رأى أحدا يكتبها مفردة عنها ، فرأى أنّ السّنّة في إثباتها ما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه من الجمع بينهما في الرسم ، وذلك كان عنده ناقضا لتأليف مصحفه أو فعله ، فلم يفعله ، أو لأنّه رأى أنّ السّنّة في إثبات هاتين السورتين في الوصل بينهما كالسّنّة في تلاوة الرسول لهما ، فلم يجب أن يفرّق بينهما في الرسم ولا أن يختم بهما جميعا مصحفه ، وقد نزل قبلهما قرآن غيرهما ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما سأل عنه السائل .